مجد الدين ابن الأثير
200
المختار من مناقب الأخيار
قال : فتحيّرت وأبيت أن آكل ، فألحّ عليّ فلم أجبه ، فقال : كل فإني مبشّرك ببشارتين : إحداهما أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله - وحلّ الزّنّار - والأخرى أني قلت : اللهمّ إن كان لهذا العبد عند حظّ فافتح عليّ بهذا . ففتح . قال : فأكلنا وشربنا وحججنا « 1 » وأقمنا بمكة سنة ، ثم إنه مات ودفن بالبطحاء . وقال إبراهيم : كنت ببغداد في جامع المدينة ، وهناك جماعة من الفقراء ، فأقبل شابّ ظريف ، حسن الوجه طيّب الرائحة ، فقلت لأصحابنا : يقع لي أنّه يهودي ؛ فكلهم كرهوا ذلك ، فخرجت وخرج الشابّ ثم رجع إليهم فقال لهم : أيش قال الشيخ فيّ ؟ فاحتشموه ، فألحّ عليهم فقالوا : قال إنك يهودي . قال : فجاءني وأكبّ على يدي يقبّلها وأسلم . فقيل له : ما السبب ؟ قال : نجد في كتبنا أنّ الصّدّيق لا تخطئ فراسته . فقلت : أمتحن المسلمين ، فتأمّلتهم فقلت : إن كان فيهم صدّيق ففي هذه الطائفة ؛ فلبّست عليكم ، فلما اطّلع هذا الشيخ عليّ وتفرّس فيّ علمت أنه صدّيق . وصار ذلك الشابّ من كبار الصوفية . وقال الزّبيري : كنت في مسجد ببغداد مع جماعة من الفقراء ، فلم يفتح علينا بشيء أياما ، فأتيت إبراهيم الخوّاص لأسأله شيئا ، فلما وقع بصره عليّ فقال : الحاجة التي جئت لأجلها يعلمها اللّه تعالى أم لا ؟ قلت : بلى . قال : اسكت ، لا تبدها لمخلوق . فرجعت ، فلم ألبث إلا قليلا حتى فتح علينا بما فوق الكفاية . وقال إبراهيم : تهت في البادية أياما ، فجاءني شخص وسلّم عليّ وقال لي : تهت ؟ فقلت : نعم . قال : ألا أدلّك على الطريق ؟ ومشى بين يدي خطوات ، ثم غاب عن عيني ، فإذا أنا على الجادّة ؛ فبعد ذلك ما تهت في سفر ولا أصابني جوع ولا عطش .
--> ( 1 ) في ( ل ) : « فأكلنا ومشينا وحججنا » والمثبت من ( أ ) .